|
راجع "خريج" فى داخله نتائج سر
الزواج والغاية منه وركز على تحقيق حياة الشركة
والمحبة والوحدة فى المسيح... ولم يفق من تركيزه سوى
على سؤالاً جديداً لـ "خريجة": وماذا عن دور وكيل
النيابة؟
نظر إليها "خريج" نظرة سريعة قبل أن يجيبها: وكيل
النيابة يوجه الإتهام، ويحقق فى الواقعة، وفى الكثير
من الأحيان يسمح له القاضى باستجواب الشهود أمامه.
استوقفت كلمة الشهود "خريجة" فنطقت قائله: الشهادة
بأمانة أمر هام جداً، لأن الكتاب يعلمنا أن: "شَاهِدُ
الزُّورِ لاَ يَتَبَرَّأُ وَالْمُتَكَلِّمُ
بِالأَكَاذِيبِ لاَ يَنْجُو" (يهلك) (أم 19: 5،9).
اومأ " خريج" برأسه إيجاباً وقال: وعلى الشهود أن
يجيبوا على تساؤلات هيئة المحكمة ووكيل النيابة...
ويقوم أمين السر أو كاتب الجلسة بتدوين كل ما يحدث فى
الجلسة... وكما ذكرت لكِ فوكيل النيابة يحقق فى
الواقعة ويسأل الشهود ليحصل على أدلة معينة يستند
إليها.. ويسأل المتهم ليحصل منه على اعتراف صريح يفيده
فى القضية، فقالت خريجة: ذكرتنى بأن لى موعد مع أب
إعترافى لكى اعترف.
أهمية سر الاعتراف:
يقول القديس باسيليوس: "جيد ألا تخطئ, وإن أخطأت فجيد
ألا تؤخر التوبة, وإن تبت فجيد أن لا تعاود الخطية،
وإذا لم تعاودها فجيد أن تعترف، إن ذلك بمعونة الله،
وإذا عرفت ذلك فجيد أن تشكره على نعمته".
سر التوبة والاعتراف مرتبط ارتباطا وثيقا بسعادة
الإنسان. فبواسطته يواجه الإنسان أكبر عدو لسعادته..
وهو الخطيئة، والنفس البشرية لا يمكن لها أن تخلص أو
تتمتع بالصحة والسعادة الروحية طالما كانت تحتفظ
بالخطيئة فالخطيئة مادة غريبة عن النفس. إنها تماماً
كرصاصة تدخل الجسم، فالجسم لا يستطيع أن يكون صحيحا
طالما بداخله هذه الرصاصة.
إن الله يغفر عن طريق المعمودية الخطيئة الأصلية ولكن
للأسف الشديد، الإنسان يعود ويخطئ بعد المعمودية. لذلك
فإن رحمة الله الواسعة التى لا تريد هلاك الخاطئ بل
خلاصه فتقدم له "معمودية ثانية" أى سر التوبة
والاعتراف معمودية ليست بالماء بل بالدموع, "ثوب
المعمودية دنسناه كلنا.. دموع التوبة تغسله لنا" أحد
الآباء.
تعريف كلمة سر (أى السر
الكنسى)
هو اصطلاح كنسى المقصود به نعمة
إلهية سرية لا نراها، ينالها المؤمن بفعل الروح القدس،
عن طريق صلوات يرفعها كاهن شرعى، بطقس خاص، مع وجود
مادة السر.
والنعمة السرية فى سر الاعتراف هى محو الخطايا بدم
المسيح, وقد وسماه القديس أغسطينوس "مصالحة", وأطلق
عليه مجمع قرطاحنة "معمودية ثانية".
أنواع التوبة للتوبة نوعان
هما:
أ- توبة شاملة : وهى لمن كان شارداً بعيداً عن طريق
الإيمان والخلاص, وعقد عزمه على ترك الشرور والعودة
إلى الله.
ب- توبة يومية : وهى التى يحاسب فيها الفرد نفسه
يومياً وهى توبة الحياة, ويتمم وسائل الخلاص من قراءات
وتناول, وصوم, وصلاة... إلخ. وهى حياة التوبة يقول
مارأسحق: "كل يوم لا تجلس فيه ساعة بينك وبين نفسك
متفكراً بأى أمر سقطت لتقوّم ذاتك فيه، فلا تحسبه من
عداد أيام حياتك".
شروط التوبة
1- إنسحاق القلب وندمه على خطاياه
السابقة : "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ،
وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ
ابْناً" (لو 18:15-19). نعم أنه أروع مثال للتوبة
بأمانة قدمه لنا الابن الشاطر حيث ندم على خطيته
بانسحاق قلب شديد. وبمنتهى الأمانة فى الاعتراف بالخطأ
والندم عليه والرغبة فى العودة إلى حضن أبية, ونحن يجب
أن نتمثل بهذه التوبة الأمينة التى من القلب وليست
توبة ظاهرية "ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ
قُلُوبِكُمِْ..." (يوئيل 12:2).
وهناك ملحوظة هامة هى: أن التوبة التى من القلب لا يجب
أن يكون سببها خوفنا من العقاب, بل يكون مرجعها أننا
أحزننا قلب الله الذى يحبنا وفدانا بدمه على الصليب.
وعلى هذا ينطبق قول القديس يوحنا ذهبى الفم: "تنهد
عندما تخطئ لا لأنك مزمع أن تعذّب, لأن هذا ليس
شيئاً.. بل لأنك خالفت سيدك الوديع الذى يود ويصبو إلى
خلاصك حتى أنه أعطى إبنه عنك فلهذا تنهد واصنع هكذا
دائماً (مقالة 5:7 على 2 كو).
2- عزم ثابت على إصلاح السيرة : حقاً أنه لا معنى
للتوبة بدون العزم على أصلاح السيرة بثبات وأمانة وذلك
كقول مخلصنا للمفلوج: "هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ
تُخْطِئْ أَيْضاً لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يو
14:5).
وأيضاً قوله لملاك كنيسة أفسس: "فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ
سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى،
وَإِلاَّ فَإِنِّى آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ
مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤ
5:2). ومن أمثلة الذين تابوا بأمانة توبة عميقة بعزم
على عدم الرجوع للخطية داود النبى - أغسطينوس - موسى
الأسود - مريم القبطية - وكثيرين وكثيرات...
3- إيمان وطيد بالمسيح يسوع ورجاء فى تحننه : ومن
منطلق ثباتنا على التوبة بأمانة, يكون لنا رجاء أكيد,
فى تحنن الله علينا وغفرانه لخطايانا, إذ ليس بأحد
غيرة الخلاص "لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ
أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ
غُفْرَانَ الْخَطَايَا" (أع 43:10).
وعلى النقيض نجد يهوذا الاسخريوطى عندما شعر بخطيته
وندم عليها قائلاً: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ
دَماً بَرِيئاً" (مت 4:27). لم تكن له توبة لأنه فقد
رجاؤه وشنق نفسه (مت 5:27).
4- اعتراف شفوى بالخطايا أمام الأب الكاهن : ونتيجة
حتمية للنقاط السابقة الذكر وهى الإعتراف على يد الأب
الكاهن الذى أعطاه السيد المسيح سلطان الحل والربط, إذ
قال له المجد: "ﭐقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ
غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ
أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو 22:20-23).
من الذى أسس سر الاعتراف ؟
الرب يسوع المسيح هو الذى أسس سر الاعتراف، إنه الهدية
الأولى التي أهداها الرب يسوع إلى البشرية بعد قيامته
الإلهية معلنا محبته لها. فبعد قيامته المجيدة، ظهر
لتلاميذه وقال لهم: "سلاَمٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِى
الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا
نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: ﭐقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ.
مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ
أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو21:20- 23).
فهذه الكلمات التى قالها رب المجد يتضح لنا منها رسم
سر التوبة والإعتراف وأن الرب أقام الرسل وخلفاءهم
الكهنة من بعدهم قضاة وأعطاهم سلطاناً لمغفرة الخطايا.
ولما كانوا لا يستطيعون أن يصفحوا أو يمسكوا الخطايا
ما لم يكونوا على معرفة بها، لذا وجب على التائب أن
يعترف بذنوبه أمامهم لتغفر له.
فكما أن القاضى لا يستطيع أن يحكم في قضية دون أن
يفحصها، والطبيب لا يمكنه معالجة مريض قبل الكشف عليه
كشفاً دقيقاً، كذلك فإن أب الاعتراف لا يستطيع بل ولا
يملك أن يغفر الخطايا أو يمسكها دون أن يعلمها
ويفحصها. لذلك يأمرنا القديس يعقوب: "اِعْتَرِفُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ" (يع 16:5).
أهمية سر التوبة والاعتراف
- سر الاعتراف له أهمية كبيرة من عدة نواحى :
1- فمن الناحية الدينية: هو الوسيلة الوحيدة لعلاج
النفس الخاطئة، فبدون توبة واعتراف، يكون خلاص النفس
أمر مستحيل يقول القديس مار اسحق: "المريض الذى يعترف
بمرضه شفاؤه هين كذلك الذى يقر بأوجاعة (خطاياه) فهو
قريب من البر". بدون توبة واعتراف، لا نستطيع أن نتقدم
إلى تناول الأسرار الإلهية. يقول بولس الرسول: "مَنْ
أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ
بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَكُونُ مُجْرِماً فِى جَسَدِ
الرَّبِّ وَدَمِهِ" (1كو 27:11).
معنى هذا أيها الأخوة أن تناول جسد الرب ودمه
الكريمين، يستلزم الاستعداد الروحي التام من توبة
صادقة واعتراف كامل بالخطايا، وإلا جلب الإنسان على
نفسه غضب الله.
2- كذلك لسر الإعتراف أهميته من الناحية النفسية:
فالإنسان فى ضيقه وحزنه، يحتاج إلى صديق مخلص، ليفتح
له قلبه ليخفف عنه. لأن المشاكل والخطايا عندما تترسب
فى النفس تجعل الإنسان نافراً من المجتمع وتزيده عقد
نفسية، ولكن الذى يعترف يكون مثل سحابة خفيفة تتنقل
بسرعة من مكان لآخر, فيبدو سعيداً فى حياته مقبلاً على
عمله فى نشاط.
3- كذلك الاعتراف مهم لمعرفة الخطيئة : فهناك أشخاص
لهم ضمير واسع يستطيع أن يرحب صدره بكثير من الأخطاء،
وهنالك ضمير ضيق موسوس كثير الشك، يظن الخطأ حيث لا
يوجد خطأ. ومهمة أب الاعتراف أن يوضح الحقيقة كما هى.
كذلك فإن الإعتراف بالخطايا يكون مدعاة إلى التواضع
وانكسار القلب، فتكون التوبة أجدى وأرسخ.
الإعتراف مهم لوصف العلاج : فليس الأمر مجرد خطايا
يعترف بها المذنب ثم ينال الغفران عليها ليعود فيكررها
مرة أخرى. وإنما هناك واجب هام على أب الاعتراف وهو
تقديم العلاج اللازم. تقديم النصائح والإرشادات
اللازمة، ولذا شبهوه بالطبيب لأنه يداوى النفوس.
فالإعتراف أيها الأخوة أمر واجب على كل المؤمنين
لالتماس الرحمة الإلهية وللحصول على المغفرة.
بعض الآيات المقدسة الخاصة
بالاعتراف
"مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ وَمَنْ
يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ" (أم 13:28).
"وَﭐعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ
مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت 6:3).
"وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ"
(أع 18:19).
"إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ
وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا
وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو 9:1).
"اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ"
(يع 16:5).
لماذا أعترف ؟
حاول كثيرون أن يهربوا من ممارسة الاعتراف لما يتطلبه
من إتضاع قلب وفكر بالإضافة لما فيه من جرح للذات التى
تريد أن تبدو صورتها جميلة فى نظر الكل... وليتهم
اكتفوا بهروبهم هذا... ولكننا نجدهم قد جمعوا له
تبريراً ونادوا بأن الكاهن هو إنسان خاطئ مثلنا
والأجدر بنا أن نعترف بخطايانا أمام الله فقط... ولكن
نحن بالفكر الأرثوذكسى المتضع نسأل:
لماذا يجب أن نعترف ؟
يقول القديس مكاريس الكبير: كما أن الماء إذا تسلط على
النار يطفئها ويغسل كل ما أكلته. كذلك أيضاً التوبة
التى وهبها لنا الرب يسوع تغسل جميع الخطايا والأوجاع
والشهوات التى للنفس والجسد معاً.
أ- الاعتراف رغبة ألهية : خلق الله الإنسان يتمتع
بسلام قلبى كامل لم يفقده إلا بالخطية... فعندما أكل
من الشجرة المنهى عنها نجد أن الله سأله قائلاً:
"أَيْنَ أَنْتَ؟" (تك 9:3) وللأسف الشديد لم يفهم أدم
قصد الله من السؤال... فأعاد الله السؤال بطريقة أبسط:
"هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ
أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا" (تك 11:3) ومرة أخرى لم
يفهم آدم قصد الله فألقي باللوم على حواء كأنها
السبب... لقد كان الله بلا شك يعلم مكان أدم وكان
أيضاً يعلم أنه قد أكل من الشجرة ولكن الله أراد أن
يستدرج أدم لكلمة اعتراف لينال بها رضى الله وغفرانه..
ونفس الأمر تكرر مع قايين عندما سأله الرب قائلاً:
"أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" (تك 9:4). لقد أراد الله
أن يعترف قايين، ولكن هذا لم يحدث، وللأسف قال قوله
الدال على جهله: "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِى؟" (تك 9:4)
ظنا منه أن الله لا يعرف. فى المثلين السابقين نرى
الإعتراف إنما هو رغبة إلهيه لما فيه من ندم وحزن على
الخطية ورغبة فى التوبة...
كما أن الاعتراف أيضاً رغبة إلهية لما فيه من تلمذة
على يد آباء الكنيسة الذين أقامهم الله نفسه، فها هو
صموئيل النبى العظيم والمتدرب على سماع صوت الله أكثر
من عالى الكاهن نجد أن الله يوجهه ليختبر الاتضاع
بالتدرب والتلمذة على يدى عالى الكاهن (1صم3).
وأيضاً نجد كرنيليوس الذى أعلن له الملاك عن قبول الله
لصدقاته وصلواته لم يجعل الله الملاك يرشده مباشرة، بل
وجهه للكنيسة وجعله يقابل بطرس الرسول ليرشده عما
ينبغى أن يفعل (أعمال10)...
وكذلك شاول الطرسوسى الذى ظهر له السيد المسيح شخصيا
وبعد الحوار الذى دار بينهما وانتهى بتوبة شاول نجد أن
الرب يحيله للكنيسة فى شخص حنانيا وهناك يقال له ماذا
ينبغى أن يفعل (اع9: 1-22).
فالله يفرح جداً إذ يرى فينا اتضاع قلب وفكر نقبل بهما
التلمذة والخضوع بروح البنوة للآباء... لذلك ما أروع
قول القديس اغسطينوس: (إن مياه دمشق كانت انقى وألطف
من مياه نهر الأردن، لكنها لم تكن كافية لشفاء نعمان
السريانى مثل الماء الذى وصفه له أليشع النبى (2مل5)
إن الله يمنح كلام الأب قوة لكونه قائما مقامه فعلاجه
الذى يعطيه لك ولو كان سهلا مشاعا لكنه ينفعك أكثر من
كل ما تعرفه ولو كنت عالما) . فما أجمل قول الآباء:
(الذين بلا مرشد يسقطون كأوراق الخريف). وكما يقول
انبا انطونيوس (ضع فى قلبك أن تسمع لأب اعترافك فتحل
بركة الله عليك).
ب- الاعتراف السليم دليل التوبة : جاءت هذه القصة فى
تاريخ الرهبنة حيث روى الأب سرابيون ما حدث له مع أب
اعترافه القديس ثيوناس فقال: لقد تسلطت على عادة رديئة
حيث كنت بعد الانتهاء من الأكل مع أبى اخبىء يوميا فى
ردائى قطعة خبز جاف لأكلها فى وقت متأخر دون أن يعلم
احد.. وهكذا كنت اسقط فى السرقة يوميا بإرادتى مع عجزى
عن المقاومة.. وبعد أن اشبع رغبتى كنت الوم نفسى مما
يفقدنى اللذة التى حصلت عليها من الأكل... وذات يوم
بينما كان الأب ثيوناس يرشد بعض الأخوة وكنت حاضرا
معهم.. أخذ الأب يحدثهم عن شيطان الشراهة فى الأكل
وسلطان الأفكار الخبيثة وقوتها طالما هى مكتومة..
فأحسست وكأن الرب أعلن لأبى عن أسرار صدرى.. واخذ
التأنيب يزداد فى داخلى حتى انفجرت فى البكاء وأخرجت
قطعة الخبز من ردائى وألقيتها فى الوسط وسقطت على
الأرض معترفا بخطيتى هذه ومتوسلاً إليهم أن يطلبوا عنى
لكى يحررنى الرب من هذه العبودية المميتة.. وعند ذلك
قال لى أبى: "ليكن لك إيمان يا ابنى. فأنه بدون أى
كلام أو أرشاد منى اليك، أنما بمجرد اعترافك قد تحررت
من هذه العبودية لقد انتصرت اليوم على عدوك، وباعترافك
أسقطته أكثر مما غلبك هو سابقا بسكوتك. ولذلك فإن بعد
افتضاحه لن يستطيع ذلك النجس أن يجد له فيك مكانا
مظلما إذ باعترافك قد سحبته إلى النور" فالإعتراف إذاُ
يفضح الشيطان وليس المعترف.. كمثل المجنى عليه الذى
يكشف عن أثار دماء أصابته.. إن هذا لا يدين إنما يدين
الجانى عليه. أما الذى يراوغ فى أمر الاعتراف إنما يدل
على عدم توبته توبة حقيقية.
كيف اعترف ؟
إنها ملاحظات صغيرة ولكنها هامة وممكنة.. لو التزمنا
بها لجاء اعترافنا اعترافا مقبولا يعطينا فى القلب
سلام الله الذى يفوق كل عقل (فى7:4). وبه نحصل على
غفران خطايانا ونؤهل للتناول من جسد الرب ودمه بغير
دينونه.. وهذه الملاحظات هى:
1- اجلس أولا مع نفسك وحاسبها: تذكر خطاياك لكى لا
تنسى منها شيئا فى اعترافك... فى جلستك هذه مع نفسك
قارن بين محبة الله لك وإحساناته عليك وبين جحودك
وسقوطك.. ولكن احذر من أن تبالغ فى تأنيب نفسك لئلا
تبتلع فى اليأس.. أنما نقصد التأنيب الذى يقود
للانسحاق ثم التوبة والإعتراف وليس إلى اليأس.. مثلما
فى جلسة الابن الضال والتى انتهت برجوعه ( لو15).
يقول القديس أنطونيوس: "إلزم البكاء فيترحم الله عليك،
لكن أحذر من أن تكون صغير القلب (النفس) لأن صغر القلب
يجلب الأحزان".
2- اختم جلستك مع نفسك بجلسة مع الله : تعترف فيها
أمامه بكل خطاياك... نعم هو يعرفها بالطبع ولكن
الاعتراف بها أمامه يعطى النفس خشوعا ويظهرها فى ضعفها
على حقيقتها.. قل له فى صلاتك: لقد حاولت أن احتفظ
بتوبتى ولكنى سقطت.. إن عزيمتى وارادتى دائماً تخوننى،
لذلك الآن أقول لك يارب "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (أر
31: 18).. وبعد أن تذكر سقطاتك أمام الله اطلب منه قوة
ونعمة تسندانك فى جهادك المقبل فى توبتك.
3- حينما تجلس أمام الكاهن لتعترف : احذر أن تكون لك
دالة معه فأنت الآن فى لحظات رهيبة كمتهم وهذه هى أدلة
أدانته يذكرها بنفسه.. وفى علم القضاء يقولون:
الاعتراف سيد الأدلة.. أما الذين يجلسون مع الكاهن
فيضحكون ويتسامرون فهؤلاء أبعد ما يكون عن سر
الإعتراف.
4- عندما تعترف، أعترف بكل أنواع الخطايا: خطايا الفعل
والقول والفكر والنظر والسمع.. إلخ وأعلم أن أى خطية
لا تعترف بها وتكتمها عن أبيك ستظل تقلقك وتفقدك سلامك
مهما تركتها وجاهدت ووصلت إلى أعلى الدرجات... لذلك
يخاطب إرميا النبى كل نفس قائلا لها: "اسْكُبِى
كَمِيَاهٍ قَلْبَكِ قُبَالَةَ وَجْهِ السَّيِّدِ"
(مراثى 2: 19) ما أروع هذا التشبيه إذا طبقناه على
الاعتراف بالخطايا.. فعند سكب الماء لا يبقى له أثراً
مثلما يحدث عند سكب الزيت أو العسل وكذلك يترك الخل
والخمر رائحتهما... وهنا يقدم لنا القديس نيلس
السينائى كلمات أب مختبر فيقول (أنك إذا رأيت سحابة
داكنة ومظلمة فأنها تكون مملؤه ماء.. وبمقدار ما يهطل
منها من الماء بمقدار ما تخف وتصير بيضاء مضيئة.. هكذا
الإنسان كلما كان مفعما بالمشقات والتجارب يعيش حزيناً
مهموماً... وبمقدار ما يطرح منه خطاياه بواسطة أخبار
ذلك لرئيسه (أب الاعتراف) وكشف أفكاره له تخف أثقال
قلبه ويزول حزنه ويصير فرحا مسروراً) لذلك يا أخى:
اسكب كمياه قلبك قبالة وجه السيد.
5- كن أمينا فى اعترافك : ولا تجعل الخجل يدفعك لأن
تلبس خطيتك ثوبا أخر.. مثل إنسان سئل عن ديانته فأنكر
أنه مسيحى.. وفى اعترافه قال أنه ارتكب خطية كذب...
وما أبعد الفرق بين خطية الكذب وإنكار الإيمان.. أو
مثل شاب يعترف بأنه يحب فتاة ويفكر فى الارتباط بها
مستقبلاً.. وهو فى الواقع يتقابل معها كثيراً... يقفان
معا ويخرجان معا ولا تخلو مقابلاتهما من أخطاء... هذا
بالإضافة لتأثير ذلك على سمعة الفتاة أن لم يحدث
ارتباط... ومع جملة هذه الخطايا نراه يسميها حباً.
أنها خدعة المسميات التى تسمى التهور شجاعة... والشهوة
حباً... والسلبية وداعة... والطمع طموح.. إلخ
6- الخجل مرتبط جداً بالكبرياء : وهما معا يلعبان
دوراً هاماً فى جعل اعترافنا مقبولا أمام الله أم لا،
وهنا يقول القديس يوحنا كاسيان: (لا يستطيع الشيطان أن
يهلك أحد إلا بعد أن يخدعه – سواء بالكبرياء أو بالخجل
– الا يعترف بأفكاره، فكل فكر نخجل من إظهاره لأبينا
يكون من الشيطان).
7- لا تحاول فى اعترافك أن تلتمس لنفسك الاعذار :
وتلقى باللوم على الآخرين كأنهم هم السبب فى سقطاتك...
إن كان (فلان) قد أثارك فغضبت فأين احتمالك. لا تقل إن
ملابس البعض أو كلماتهم تعثرنى وتدفعنى لممارسة
الخطية. وإن كان هذا موجوداً فأين عفة قلبك وهروبك من
مجال الخطية. ومن المواقف الطريفة التى لأبينا المتنيح
القمص ميخائيل إبراهيم: أن أحد الشبان وهو يعترف أمامه
اخذ يلوم صاحبه بأنه سبب عثراته بكلماته وحركاته.. وهو
الذى يدفعه للغضب، ويجره لأحاديث الإدانة... إلخ وبعد
أن انتهى الشاب من كلامه فوجئ بأبونا يقول له: روح يا
أبنى نادى صاحبك ده علشان أقرأ له التحليل.. لأنك فى
الواقع أنت إعترفت بخطاياه هو مش خطاياك أنت.
8- اهتم بالجوانب الايجابية فى اعترافك : فالاعتراف
ليس فقط بذكر سلبيات كالكذب والحلفان والإدانة الخ،
وإنما تقصيرك فى الفضائل يعتبر أيضاً خطايا يجب
الإعتراف بها.
9- حياتك العملية مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياتك الروحية
: فالعامل الغير أمين فى عمله من جهة وقت العمل
وممتلكاته.. وكذلك الطالب الغير أمين فى مذاكرة دروسه
يجب أن يعترفان بهذا التقصير.
10- اعترف بالخطايا التى ارتكبتها : حتى لو كنت تعرف
علاجها أو تعرف ماذا سيقول لك أب اعترافك بسبب تكرار
سماع نصائحه فى هذا الأمر أو بسبب معرفتك وسعة اطلاعك
وما أروع قول العظيم الأنبا انطونيوس: (اعرف رهبانا قد
سقطوا بعد أتعاب كثيرة لأنهم القوا رجائهم على أعمالهم
واحتقروا وصية القائل: "اسْأَل أَبَاكَ فَيُخْبِرَكَ
وَشُيُوخَكَ فَيَقُولُوا لكَ") (تث 32: 7).
ختاما أيها الحبيب : لو سقطت بعد الاعتراف لا تيأس...
لأن الشيطان فى مكره يحمل مرآة ذات وجهين: أحدهما يكبر
الصورة والأخر يصغرها... فعندما يعرض علينا خطية يضع
أمامنا الوجه المصغر، فتظهر الخطية كهفوة فنفعلها...
وبعد السقوط يدير المرآة على الوجه المكبر، فنشعر
ببشاعة ما ارتكبناه ليوقعنا فى اليأس تحت إحساس عميق
بالذنب.
لذلك يعلمنا القديس أنطونيوس: "أطلب التوبة فى كل
لحظة، ولا تدع نفسك للكسل
لحظة واحده".
|