رسالة من السماء

د. مجدى أسحق

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسى (3)

الأصحاح الأول:

حينما تقترب من كلمة الله، لابد أن تعرف – أيها القارئ العزيز – أنها تختلف عن أى كلمة أخرى.
فكل كلمة وكل عبارة، وكل حرف وكل نقطة لها دلالة، وكل تقديم أو تأخير، أو تركيز على معنى دون الأخر لابد وأن يستوقفك لتعرف لماذا حدث فالله حينما يكتب، يدعوك أن تفحص دقائق وتفاصيل حديثة لك، لتعترف من سر البركة المخزون فيه.

ولذلك حينما بدأ بولس حديثة، نراه يؤكد أن كونه رسولا، لم يأت من اجتهاد خاص عنده، أو نتيجة مؤهلات خاصة فى شخصيته، ولكنه بسبب واحد فقط هو " مشيئة الله "( بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله كو 1:1).

ولذلك نجد فى هذه العبارة القصيرة، ملخص لفكر العهد الجديد كله، وهو فكر النعمة: فالأنسان ليس هو الذى يخلص نفسه، وليس هو الذى يدعو نفسه، بل هو يتجاوب مع دعوة الله المملؤة حبا له.
وليس هناك فى دائرة النعمة أناس قدسوا أنفسهم، بل هناك أناس قدسهم الله، وأناس أخرون رفضوا السماح لله أن يقدس كيانهم.

وهذه الحقيقة يجب أن تحمل لقلبك الفرح : فدعوتك المسيحية تستند بالكامل على كفاية الله وقدرته الكاملة أن تتعامل مع النفس المملؤة ضعفاً وتقصيراًَ.

أيها القارئ العزيز على قلب الله: هل تعودت أن تعتمد على نفسك فى علاقتك بالله؟
إن الأعتماد على النفس سمة من سمات النضوج وعلامة من علامات نمو الشخصية، إلا فى حالة العشرة بالله!!

فلاقتك بالله تتطلب مواصفات تختلف عن مواصفات أى عمل آخر: فالله هنا يجب أن يحتل موقف الصدارة فى كل شئ : فيصير مصدر النصرة والغلبة والقداسة والبر، ودور الانسان هنا ان يريد ويطلب ويلح على الله ويعلن أمامه رغبته الكاملة فى أن يحيا معه وله.

ترى .. ماهو مفهوم الجهاد المسيحى إذن ؟ الجهاد ليس هو أن تفعل شئ تخلص به نفسك، ولكن أن تجاهد لتجعل الله يخلصك بنفسه !!

فالصلاة هى جهاد النفس أمام عرش النعمة، لينسكب فيها حب الله وقداسته وبره، والصوم هو امتناع الفم عن الطعام ليتيح المجال للروح أن تتغذى على كلمة الله .. انما فى النهاية الله هو الذى يفعل الكل .. تأمل قول الكتاب : " ليس عليكم أن تحاربوا فى هذه. قفوا اثبتوا وانظروا خلاص الرب معكم يايهوذا وأورشليم لاتخافوا ولاترتاعوا " ( أخ 17:20)

هل علمت أيها العزيز، لماذا تفشل فى نموك الروحى، وفى اختبار القداسة والنصرة على الخطية؟ ذلك لآنك تظن أن نصرتك تتوقف على مقدار ما تفعله !

لكن اليوم اريدك أن تكف عن هذا الأمر: " فلا بالقوه ولا بالقدرة بل بروحى قال رب الجنود" (زك 6:4).
ليكن اليوم هو ارتماء لنفسك على قدرة الله، لتكن صلاتك بابا ليعمل الله من خلالك فيحرك، ولينتقل تركيزك من على امكانياتك إلى امكانياته اللا محدودة فتختبر طعم السعادة والأنتصار.

الكلمة الثانية التى اريدك أن تقف عندها هو هذا اللقب الحلو الذى أطلقه بولس على تيموثاوس بقوله "الآخ" ( كوا:1)، والذى أطلقه على اعضاء الكنيسة ككل " الأخوة المؤمنين" ( كو 1:1).
ان الضرورة الملحة لنجاح الخدمة المسيحية ليست شيئا آخر سوى انتشار الروح الأخوية بين المؤمنين.

وإن كان بولس هو معلم الكنيسة، واللاهوتى الأول فيها، والمدبر الأعظم لكل شئونها، إلا انه كان يفضل ان يكون قبل كل شئ الصديق والأخ لكل فرد فيها دون ترفع أو اعتزال أو تشامخ.

ولعلك تتعجب أن الرب يسوع نفسه: الأله والمخلص والمعلم الكامل ارتضى فى اتضاعه أن يدعونا اخوة له فقال " بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم" ( متى 40:25).
وقال عنه بولس كذلك أنه "بكرا بين إخوة كثيرين" (رو 29:8) وهذه الحقيقة هامة لك كمسيحى وكخادم: فيجب أن تنظر للكل بهذه الروح: إخوة أولا قبل أن يكونوا تلاميذ أو مخدومين.

وإن كان دورك هو معلم أو مسئول، فهذا لايعنى أنه دور أهم أو أفضل: إنه فقط دور " مختلف" عن دور المخدوم. والكل فى النهاية يتساوى أمام الله حسب أمانته فى تأدية هذا الدور مهما كان بسيطا والرسول بطرس له عبارة جميلة فى هذا المعنى ، حينما كان يعلم أولاده، قال لهم " إلى الذين نالوا معنا إيمانا ثمينا ساويا لنا ببر إلهنا " (2 بط 1:1) ويوحنا الرسول يؤكد نفس المعنى بقوله. " أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره" (وؤ 9:1).

إن مسيحيتنا لا تعرف إلا المساواة: فالحب هو جوهرها، والخدمة هى مصدرها والأتضاع هو محورها

الأول هو الأخر، والمعلم هو الذى يغسل الأرجل، والكبير كبير فى تنازله واختفائه.

أيها الحبيب: هل هذا هو منهجك فى علاقتك بأخوتك ومخدوميك وأهلك وأصابرك؟!