رسالة من السماء

د. مجدى أسحق

رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس (الحلقة الثانية)

نأتى اليوم إلى القسم العملى فى الرسالة (ص 4 ، 5 ، 6 ). فى هذه الأصحاحات يتكلم الرسول عن حقيقتين أساسستين: سمات الإنسان المسيحى, وسمات الكنيسة المسيحية.
ونلاحظ أ، الرسول دمج الحقيقتين بصورة متميزة: فقد بدأ بالحديث عن سمات الإنسان ( الفرد) ( ص 3-1:4)ثم انتقل للحديث عن الكنيسة ( ص 16- 4:4) وعاد للحديث عن الفرد مرة أخرى ( ص 17:4 ص 23:5) ثم تحدث عن الكنيسة مرة أخرى ( ص 24:5-33) ثم أكمل حديثة عن الفرد (ص 6).
وفى هذا التسلسل الفكرى الذى للرسول بولس مغزى رائع:
فالأصل فى الخلقة كان الفرد (آدم). ولكن الله لم يجد فى وحدة آدم إستحساناً "ليس جيداً ان يكون آدم وحده فأصنع له معيناً نظيره" ( تك 18:2) ورغم أن الله " رأى كل ماعمله فإذا هو حسن جداً" (تك 31:1) إلا أن الشئ الواحد الذى لم يكن حسن – بحسب وصف الكتاب – كان وحدة آدم فما كان من الله إلا أن أرفع سباتاً على آدم فناء : وخلق له حواء – وهكذا تكونت أول كنيسة (جماعة) فى التاريخ – (كنيسة = اككليسيا = جماعة) ولذلك نجد الرسول بإرشاد الروح – يستخدم هذه القصة ( قصة آدم وحواء ) كتشبيه عن الكنيسة فيقول " لأننا اعضاء جسمة من لحمة وعظامة ( كما كانت حواء من آدم )من أجل هذا يترك الرجل آباو وأمه ويلتصق بأمرأته ويكون الإثنان جسداً واحداً. هذا السر عظيم ولكننى أقول من نحو المسيح والكنيسة (أف 30:5-32).
وقيمة هذا الكلام فى غاية الأهمية : فالله أراد أن يقضى على ذاتية الإنسان وجعل قيمته من خلال دوره فى الجماعة.
ولكن هل معنى هذا أن يذوب الفرد فى الجماعة, ويفقد هويته وتميزه وفرادته ؟! هذا غير مقبول طبعاً ..
لذلك وجدت هذا الإتزان الحكيم فى حديث الرسول : فهو يؤكد على أهمية تأسيس الفرد على حق الإنجيل , وأهميتة تمثله بالمسيح وتشبهه به.
وفى الوقت نفسه يؤكد على أهمية الكنيسة التى تشكل الهدف النهائى لله "لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ فى المسيح ما فى السموات وما على الأر ض فى ذاك" (أف 10:1).
ولذلك نحن فى كنيستنا الأرثوذكسية نفهم هاتين الحقيقتين كما شرحهما الإنجيل : فالفرد له أهميته الأولى كما شرحهما الإنجيل : فالفرد له أهميتة الأولى كما كان فى نظر الله الذى يترك التسعة والتسعين باراَ ويبحث عن الفرد الواحد حتى يجدة , فإفردت الكنيسة له سر التوبة والإعتراف كتعبير عن إحترام الفرد وتقديره وأعطائه حقه الإلهى , ومنحه وقتاً خاصاً كتعبير عن إهتمام الله به هو شخصياً.
والكنيسة (الجماعة ) لها أهميتها الأولى وكذلك : فلا وجود للفرد خارج الكنيسة, ولاخلاص إلا من خلال الكنيسة " وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع 47:2) – ونحن نقول ذلك لا عن تعصب ولكن عن إدراك حتى لفكر المسيح, وفكر الكتاب حول هذا الموضوع.

سمات الكنيسة المسيحية:

أولاً: إنها واحدة (أف4:4): فالإنقسام ضد المحبة – لذلك كانت وصية الرسول أن تجتهد لنحفظ هذه الوحدانية – وهى ليست وحدانية فى الأفكار لأنه ما أصعب أن نتفق الأفكار – ولكنها وحدانية فى الروح أى فى المحبة لأن روح الله هو محبة – والمحبة تجعلنى مستعد لأن أقبل إخوتى مهما إختلفوا معى فكرياً.
نرى ماذا يحدث فى كنائسنا اليوم: أليست انقسامات وتحريات اسمع معى عزيزى القارئ قول الرسول "فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق الستم جسدين وتسلكون بحسب الشر" 0اكو 3:3).
الكنيسة مجتمع يسود عليه الله بمحبته – فماذا يكون الوضع لوسادت عليه مبادئ الشر وأفكارهم, واتجاهاتهم – البشر دائماَ يتنازعون – أما الروحانيون فلا يوجد مايتخاصمون لأجله لأنهم أبناء الله صانع السلام.
عزيزى:كيف تحيا كعضو فى كنيستك : هل محبة الله تسود على قلبك وتقودك للوحدة مع إخوتك, وتجعلك تتنازل عن كرامتك وعن ذاتيتك لتقبل الكل وتسعد الكل – أم هل تتمسك بآرااك وأفكارك مهما تمزقت الوحدة وانفصل جسد المسيح؟ من أكثر أهميته: صحة الأراء أم تماسك الجسد!!
إن إبليس نجح – أكثر مانجح فى تفتيت وحدة الكنيسة.
فلم يكتف بتقسيم الكنيسة إلى طوائف ومذاهب , بل قسم الكنائس المحلية على بعضها: الخدام انقسموا ضد بعض وكذلك الشعب, وأصبحت الصورة العامة للكنيسة مؤسفة.
ولكن متى تعود الوحدة لتربط الكل ببعض – متى نقبل بعضنا بعضاَ كما قبلنا الله لنفسه (رو 7:15)- متى يفرح قلب الله بالوحدة الكاملة " وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد " (يو 22:17) إن مجد الكنيسة فى وحدتها.
كلمة أخيرة أود أن أقولها: لنعظ ونأخذ من مملكة إبليس مثلاً إن كان لنا أن نخجل , فلنخجل لأن مملكة أبليس غير منقسمة ( فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته ( لو 18:11) ومملكة المسيح منقسمة ولنسعى جميعاً نحو وحدة المحبة التى مات المسيح وقام لأجلها.
ثانياً: التكامل: "وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أبناء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان حسد المسيح" (أف 11:4- 12).
الكنيسة لأنها جماعة – تحتاج لتكامل أعضائها كل عضو يكمل مالا يستطيع العضو الأخر فعله.

وما أكثر الكنائس الفاقدة لهذه السمة الأساسية: حينما يسيطر واحدا على كل النشاطات ويرفض إعطاء أى دور لأى عضو – مثل هذه الكنائس لاتنجح – وإن حققت نجاحاً سرعان مايذوب بسبب إنصراف الكل عن العمل فمثل هذه الروح تقتل الخدمة. وطوبى للخادم الذى يدرك إحتياج الكنيسة لكل عضو – طوبى للقائد الذى يعطيه الله روح الحكمة والتمييز ليوزع الأدوار على الأعضاء بحسب قامتهم وقدرتهم اذكر عزيزى الخادم ماقال الرسول بولس" ألعل الجميع رسل ألعل الجميع أنبياء – ألعل الجميع معلمون – ألعل الجميع أصحاب قوات" (اكو 29:12) وأذكر مافعله الرسل حينما إحتاجوا لخدمة الموائد , أنهم إنتخبوا الرجال القادرين على إتمام مثل هذه الخدمة, ولم يستأثروا بها لأنفسهم .(أع 1:6-6) وكانت النتيجة "وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم" (أع7:6).
ثالثاً: النمو: "العمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (أف 12:4)- " بل صادقين فى المحبة لنمو فى كل شئ إلى ذاك"(أف 15:4)- "يحتمل نمو الجسد لبنيانة فى المحبة"(أف 16:4).
النمو سمة لحياة: فالطفل الذى لاينمو يجب أن يتعرض للفحص الكامل لئلا يمرض ويموت والشجرة التى لا تنمو تحتاج علاج لئلا تذبل وتقطع.

والكنيسة التى لاتنمو ولا تتقدم يجب أن توضع أمامها علامات الأستفهام "هوذا ثلاث سنين آتى أطلب ثمراً فى هذه التينه ولم أجد أقطعها لماذا نبطل الأرض أيضاً" لقد لعن المسيح التينه التى لم يكن فيها ثمر( مت 18:21-20, مر 12:11-14) وكان هذا إشارة لرفض الأمة الإسرائيلية التى لم تخرج ثمراً- فالكنيسة غير النامية وغير المثمرة تتعرض للرفض "فاذكر من أين سقط وتب واعمل الأعمال الأولى وإلا فإنى أتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب"( رؤ5:2).

ونمو الكنيسة يبدأ بنمو الأفراد .. عزيزى: ربما تنظر لكنيستك فنجدها غيرة مثمرة أو غير تائبة.
العلاج فى يدك : إبدأ بنفسك وسينظر الله لتوبتك ويقبلها وسيحدث نهضة فى كنيستك بسببك.
فى القديم , قال الله أنه سيرحم سدوم وعمورة لو وجد فيها عشرة أرار (تك 32:18)- عزيزى ابدأ بنفسك وتب واعط المسيح ثماراً مفرحة, فربما تكون أنت أول هؤلاء العشرة الذين سيرحم الله بسببهم الكنيسة بل والعالم كله..

الأصحاح الرابع ، الخامس ، السادس

1- الجانب الموروث

يسمى الطبع Temperament – وهو ينتقل من الآباء للأبناء بالوراثة – وبسببه نجد بعض من الناس هادئ ومنطوى, والبعض الآخر عصبى ومندفع – بسببه نجد البعض يميل إلى المرح والآخر إلى التشاؤم ومن خلال الوراثة انتقلت كذلك طبيعة الخطية للإنسان, هذه الطبيعة التى تميل للأثم وتشتهيه والتى أسماها الرسول بولس" الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور"(أف 22:4)- وهذه الطبيعة بعينها التى قال عنها داود "هانذا بالأثم صورت وبالخطية حبلت بى أمى" (مز 5:51).

2- الجانب المكتسب :

ويسمى الخلق Character – وهو نتيجة للبيئة التى ينشأ فيها الإنسان وللتربية والمجتمع والخبرات السابقة.
وأهم ما يميز هذا الجانب, هو ( العادة habit) , والعادة فى التعريف هى ( استعداد مكتسب فى الإنسان لتكرار نفس الأفعال ) – وتربط العادة فى النفس البشرية بشيئين: التكرار والأرادة.

أ‌- التكرار: فكما قال أرسطو العادة بنت التكرار – وربما يتم إكتساب العادة من أول مرة, ويكون التكرار فى هذه الحالة ليس ضروياً للإكتساب , إنما ضرورى لتقوية العامدة وتسهيلها – ولذلك قال" لينبز" (كل فعل هو بداية عادة).

ب- الإرادة والرغبة: فقد تأكدت حقيقة الرغبة والأنتباه والأهتمام فى إكتساب العادة. والدليل على ذلك أن فعلاً واحداً تتقبله النفس باهتمام وعزيمة وإنتباه, قد يكفى فى تكوين عادة تبقى مدى الحياة: مثال ذلك أن بعض الناس يحفظ قطعة شعرية بعد قراءتها مرة واحدة, وبعضهم يتقن استعمال بعض الآلات أو لعبة من الألعاب بعد المرة الأولى- وكذلك قد يتعود الإنسان على شرب السجائر أو الخمر من المرة الأولى.

ومن خلال العادة تنتقل كذلك الخطية إلى نفس الإنسان : فيها يكتسب الإنسان عادات المجتمع والبيئة التى يحيا فيها, فينشأ على الخطأ بطريقتين: الوراثة والعادة. ولكى يتغير الإنسان يحتاج إلى فعلين أساسيين قدمهما الرسول بولس فى هذه الإصحاحات.

أولاً: تغيير الجانب الموروث:

 وهذا ما أسماه " وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق" (أف 24:4). وهذا ماقال عنه المسيح "إن كان أحد لايولد من فوق لايقدر أن يرى ملكوت الله" (يو3:3).

وهذه الطبيعة الجديدة ننالها بالمعمودية – وتنمو وتزدهر فينا بالأيمان : الأيمان بإمكانية الله المولودة فيك, الإيمان بسكنى المسيح فى القلب, الإيمان بحضور الله بمجده فى الداخل بميراث الملكوت , ميراث الحياة الجديدة الذى ينقل الإنسان الفاسد إلى بنوة الله.

ثانياً: تغيير الجانب المكتسب:

وهذا هو دور الإنسان الإيجابى فى إكتساب العادات الروحية – وهذا ما أراد الرسول توضيحة حينما استخدم مثل هذه التغييرات:
"اطرحوا عنكم"( أف 25:4)" "لاتعطوا إبليس مكاناً"(أف 27:4) "لاتخرج كلمة رجية"(أف 29:4) "كونوا لطفاء- كونوا متمثلين بالله- اسلكوا كأولاد نور – لاتشتركوا فى أعملا الظلمة – مفتقدين الوقت – شاكرين على كل حال – خاضعين بعضكم لبعض".

فهنا يظهر الدور الإيجابى للإنسان فى إقتناء العادات الجديدة وهذا يحتاج كما قلنا للتكرار (وما يلزمة من صبر ومثابرة وجهاد وأمانة).

وللإرادة ( وما يتطلبه ذلك من صدق ووفاء واخلاص ووضوح الهدف) والتكرار والإرادة ينبغى أن ينطلق من النعمة – فهما ليسا جانبا بشرياًَ يعتمد على المحاولات الفردية المستقلة, ولكن هذه المحاولات مستندة فى الإنسان كما سبق وقلنا.

أيها المحبوب : إن انتقالك من صورة الجسد إلى صورة الروح لها جانبان: الجانب الإلهى: وهذا تقبله بالأيمانز الجانب البشرى: وهذا تمارسه بالجهاد.

الأيمان ينقل لك مفاعيل الطبيعة الجديدة , والجهاد يستثمر هذه العطية ويحافط عليه نرى ماذا ينقصك؟ وماذا فعلت لتكون على صورة المسيحز

كلمة أخيرة أهمس بها فى أذنك : إن صورة المسيح وسماته المتعكسة عليك ليست لون من ألوان" الكماليات" أو "الزينة" التى ينبغى أن تقتنيها – لكنها ضرورة...

1- ضرورة لخلاصك: لأن غياب سمات المسيح من حياتك يعنى غياب المسيح نفسه فكل إناء ينضح بما فيه, وكل شجرة تثمر بحسب أصلها.

2- ضرورة لخدمتك: فالناس لا ينتظروا منك كلاماً بل فعلاَ – وأصدق دليل على حقيقة المسيحية هى سمات الله فى المؤمنين: لايوجد منظر أعظم من إنسان متضع كما قال أحد الآباء ’ ولاتوجد عظة أقوى من حب مبذول’ ولايوجد درس كتاب أعمق من سلام النفس وسط الخطر.

إن النفوس لا تتغير بالكلام, بل بالخبرة المعاشة ,لقد تعلمنا الصلاة من الأنبا بولا رغم أنه لم يقل عظة واحدة عن أهمية الصلاة ومواعيد الصلاة , وفاعلية الصلاة .. ولقد صدقنا أن المسيح أحبنا ليس لأنه قال هكذا فقط,بل لأنه عاش ما قال, وأظهر لنا بالصليب عمق حبه.

هل يكون هذا اليوم بدء عهد الحياة, ونهاية أزمنة الكلمات..