|
المواطنة هى تعبير عن حركة المواطنين فى اتجاه إثبات
وجودهم فى إطار جماعة بعينها بحيث تتجاوز هذه الحركة
الانتماءات الأضيق إلى الانتماء الأرحب، أى تجاوز
الانتماء للأشكال الأولية للمجتمع البشرى: الطائفة،
القبيلة، العشيرة، إلى الجماعة الوطنية ومن ثم تحقيق
دولة المواطنة. وعليه تصبح المصلحة العامة المشتركة هى
المعيار الرئيسى الذى يحكم حركة المواطنين فيحدث ما يسمى
بالاندماج الوطنى. إن المصلحة العامة فى هذه الحالة تمثل
عاملاَ حاسماً فى دفع "المواطن – المواطنون" للحركة نحو
اكتساب الحقوق بأبعادها: الاجتماعية والثقافية والسياسية
والمدنية، والمشاركة بشتى أنواعها ومجالاتها، والمساواة
بين الجميع من دون تمييز لأى اعتبار، واقتسام الموارد
العامة. |
|
|
إن هذا التعريف – رباعى العناصر – الذى
نجتهد فى تقديمه يأخذ فى الاعتبار الخبرتين المصرية
والغربية بعد أن قطعت البشرية شوطاً كبيراً فى بلوغ
المواطنة.
وفى نفس الوقت يضع هذا التعريف فى اعتباره عدم اقتصار
مفهوم المواطنة على البعدين القانونى والسياسى بل يمتد
به ليشمل الاقتصادى والاجتماعى، فى اتجاه بلوغ مفهوم
"مــركب" للمواطنة متعدد الأبعاد ومتشابك العناصر. حيث
لا يقتصر الحديث عن المواطنة فقط موضوع المشاركة
السياسية بل تتقاطع مع الحقوق الاجتماعية والمدنية، من
قبل الحق فى التعليم الجيد، والضمانات الصحية، وحرية
التعبير والتنظيم المدنى، وهكذا، وعليه تتجسد المواطنة
عملياً ومن ثم الولاء والانتماء كنتاج للمواطنة.
فى هذا السياق يلتف الجميع حول المواطنة، ويصبح التشكيك
فى أحقية أى عنصر من العناصر المكونة للجماعة الوطنية فى
التحرك مع الآخرين نحو المواطنة بمثابة تراجع عن
المواطنة نفسها مثلما حدث فى وقت من الأوقات عندما أعيد
طرح التساؤل حول الوضع القانونى والاجتماعى للأقباط فى
إطار الجماعة الوطنية، فهناك من آثار وهو ما يعنى العودة
لقضية ذمية الأقباط وهناك من أعاد النظر إليهم باعتبارهم
أقلية، فبات هناك مفهومان بديلان للمواطنة: الأول مفهوم
الأقلوى، والثانى الذمى، لما يمكن تسميته "دولة ما قبل
المواطنة" حيث فئة فى ذمة أخرى، أو أقلية وأغلبية، بينما
دولة المواطنة تجب كلاهما من دون خصومة مع الدين أو
الخصوصيات الفرعية فالجميع يضع ما لديه من ثقافة ودين من
أجل الصالح العام.
إذن فإنه يبدو لى أن هناك ضرورة قصوى لاستكمال مسيرة
المواطنة واستعادة مسارها الطبيعى - وبما يعنى العمل على
ترسيخ المواطنة بتجلياتها الأربعة، وجعلها الوعاء الذى
يستوعب كل الولاءات، وعليه يمكن أن نحصل على "دولة مجتمع
مدنى" دولة ديمقراطية ذات سيادة، ومجتمع مدنى حقيقى معبر
عن روابط وانتماءات مواكبة للعصر، فلا يعود الأمر
بالنسبة إليهما – الدولة والمجتمع المدنى – مجرد إعادة
إنتاج لإشكاليات التنظيم الأولية كالطائفة، والعشيرة
والعائلة،...
ب- وعليه فإن على الدولة والمجتمع المدنى
فى مصر العمل على جعل المواطنة واقعاً ملموساً وفاعلاً،
وبلوغ عناصرها الأربعة مكتملة، وذلك بالتعاطى مع
الإشكاليات المطروحة والتى نرصدها فى الآتى:
1- إعادة دمج المواطنين فى المجتمع السياسى:
القراءة السريعة لحركة الإنسان المصرى فى حياته اليومية
تقول إنه يتحرك باعتباره منتسباً للمجتمع السياسى من
جهة، ومنتمياً حتى النخاع لأى
جهة خارج المجتمع السياسى الشرعى تستطيع أن تحل مشاكله،
إنها عودة بحسب "هويز" إلى "حالة الطبيعة" وهى حالة من
الفطرة من حيث الدوافع والمواقف وردود الفعل، فالإنسان
فى رأيه ذئب لأخيه الإنسان، وعليه فإنه لا توجد بالتالى
معايير وضوابط، أو بلغة أخرى قوانين، بل يكون لكل واحد
ما يستطيع أن يأخذ فقط لذا يتحرك كل إنسان لإنجاز ما
يخصه بحسب اتصالاته أو اكتشافه لثغرات قانونية، أو
اللجوء لمن يقدم على "التخليص" وهكذا.
إن تجاوز ما سبق يحتاج إلى "عقد اجتماعى" جديد بحسب روسو
حيث تتوفر مساواة شرعية وأخلاقية بدل التفاوت الموجود فى
الحالة الطبيعية، ليصبح الجميع متساويين بالاتفاق. إن
دعم فكرة المصلحة المشتركة وتقديم النموذج العملى على
أهميتها، هى الدافع لتنمية الاتفاق بين الأفراد، إن
تعارض المصالح الفردية على حالة الطبيعة، هو الذى جعل
إنشاء المجتمعات ضرورياً بالمعنى السياسى، فالعقد
الاجتماعى هو شكل من أشكال الاتفاق بين الأفراد والقوى
بهدف حماية المصالح الجزئية لتصب فى إطار المصلحة
العامة. بيد أن هذا الاتفاق لا يطغى على حرية كل فرد/
قوة والحصيلة هو تشكل المجتمع السياسى/ الجماعة السياسية
التى تتكون من دولة من جهة سياسية تضم المواطنين، شريطة
ألا يجور أى طرف على الآخر، وإنما تكون العلاقة علاقة
تفاعل ومشاركة فالدولة فى النهاية تعبير عن إرادة
المواطنين. إذا ضمن المواطن توفر مجتمع سياسى سيكون
حاضراً، أما غياب المجتمع السياسى، يعنى انصراف الأفراد
إلى حياتهم، ليعودوا يتحركون بمعايير تجاوز الحالة
الطبيعية، والتى هى حالة فوضى بدرجة أو أخرى.
مما سبق فإن إعادة بناء المجتمع السياسى بالتوافق بين
الجميع، سوف يكون المدخل لدمج الأفراد - المواطنين فى
هذا المجتمع، لأن ذلك يعنى أنه لا حركة لهولاء المواطنين
خارج المجتمع السياسى.
2- من المواطن المقيم (Denizen) إلى المواطن المشارك،
وتفاعل (citizen):
بالعودة إلى أثينا القديمة سوف نجدها قد عرفت المواطنة
وإن كانت بشكل غير مكتمل، وفى إطار النخبة، فالمواطنة
الأثينية اقتصرت على الجانب السياسى المباشر، من خلال
النقاش، ولم تتجاوز دائرة ضيقة تتوفر فيها شروط محدودة،
فالنساء والعبيد لم يكن لهم حق المواطنة، وكان هناك من
يمنح حق المواطنة باعتباره مقيماً (Denizen) من دون أن
يترتب على ذلك أى حقوق من أى نوع.
تعكس نسب المشاركة فى الانتخابات وكذلك أشكال المشاركة
المختلفة للمواطن لدينا حالة أقرب ما تكون إلى "المواطن
المقيم" (Denizen) أى أنه يتمتع بالإقامة الكاملة دون أن
يبادر بالمشاركة والتفاعل مع ما يدور حوله بشكل منظم، أو
ينخرط فى الحياة السياسية بأى صورة، بالطبع ليس السبب أن
هناك محاذير أو قيود تحول دون ذلك بمعايير أثينا أو
روما، وإنما بإرادة حرة تماماً، لذا فإن من المهام
الأساسية لأى إصلاح سياسى دفع المواطن إلى أن يكون
مشاركاً فاعلاً، ولن يتأتى ذلك بغير تحسين فرص حصول
المواطن على حقوقه وإتاحة مساحات ممكنة كى يمارس أدواراً
محاسبية ورقابية حول موضوعات تمس حياته المباشرة.
فمن غير المعقول أن يكون المواطن مطالباً بتأدية ما عليه
من واجبات، وأن يثبت مواطنيته من دون أن يحصل على أى
حقوق، فحقوقه دائماً موجلة، ففى هذا المقام وبحسب فقهاء
المواطنة – لا بد وأن يتسم الأمر بالتبادلية
(Reciprocity) حقوق وواجبات المواطن فى مقابل حقوق
وواجبات الدولة، وعليه يتولد الحافز لدى المواطن
للمشاركة والتفاعل فى الحياة السياسية.
3- تفاعيل المواطنة القاعدية Grass –Root Citizenship
من القضايا الهامة التى كشفت عنها الممارسة السياسية على
مدى عقود، هو أن دائرة العمل السياسى غير قادرة على
استيعاب فئات نوعية وشرائح اجتماعية وأجيال عمرية إلى
المجال العام فباتت دائرة العمل السياسى قاصرة على فئات
وشرائح وأجيال بعينها متقاربة فى المصالح والأعمار
والانتماء الاجتماعى، بحيث تكاد تكون هذه الدائرة شبه
مغلقة ومن ثم فإن المشاركين من خلالها يصحبون هم
المواطنين وعليه فإن مستوى المواطنة يكون أفقى – نخبوى
ونطاقها مقصور على عناصر بعينها، والنتيجة العملية لذلك
هى استبعاد – ربما يكون غير مقصود – لفئات وشرائح وأجيال
تمثل مواقع أدنى فى السلم الاجتماعى والاقتصادى والعمرى،
وعليه فإن من الأهمية بمكان توسيع نطاق المواطنة، وكذلك
مستواها أى بالتوجه رأسياً فى جسم المجتمع، فمن المهام
الضرورية توسيع دائرة المشاركة من دون استثناء، ومن دون
اعتبار لثروة أو مكانة، خاصة وأن القراءة السريعة
للانتخابات البرلمانية فى عامى 1995 – 2000 تقول إنها
انتخابات الأثرياء.
وهنا ينبغى التذكير أن الديمقراطية تعنى إتاحة الفرصة
للجميع بنفس الحقوق، فالمواطنون من حقهم، أن يكون لهم
نصيب فى العملية السياسية بكل مراحلها صحيح أن مفهوم
المواطنة تاريخياً قد ارتبط بالوضع الاقتصادى للأفراد
وبمدى ما يملكون، فالفرد الذى لا يملك شيئاً ولا يدفع
ضريبة ليس مواطناً، لذا لم يكن غريباً أن البعض قد طابق
بين "المواطن" و"دفع الضرائب" (Tax payer). بيد أنه مع
التطور الديمقراطى اتسعت دائرة المشاركة وأخذ مفهوم
المواطنة يتطور ليتجاوز البعد الاقتصادى إلى الاجتماعى
والثقافى والمدنى بالإضافة إلى الجانب السياسى، وفى نفس
الوقت اتسعت الحياة السياسية للجميع (كافة المواطنين)
فكان الاهتمام الرأسى بالجسم الاجتماعى، والاهتمام
بالمواطنة فى بعدها القاعدى.
وتجدر الإشارة هنا أن ثورة 1919 قد استطاعت أن تحقق
التفافاً قاعدياً حول الثورة فى بعدها الوطنى، أى فيما
يتعلق بالاستقلال، كذلك فى بعدها الاجتماعى، من خلال
الحفاظ على المصالح الاقتصادية.. الوطنية، لذا نجد
الباشوات والفلاحين، والرجال والنساء، والمسلمين
والأقباط حاضرين بقوة. حيث امتدت المواطنة من النخبة إلى
القاعدة. وإن تحققت فى بعدها الاجتماعى دون السياسى.
4- عدم الإرتداد إلى دولة ما قبل المواطنة:
إن المواطنة هى تعبير عن لحظة تحول حاسمة بالنسبة
للإنسان – الفرد فى داخل الجماعة البشرية التى يتحرك فى
إطارها – ليكون " مواطنا" يمارس المواطنة فى إطار جماعة
واضحة المعالم السياسية، تمارسها من خلال هياكل مؤسسية.
وتعكس لحظة التحول الحاسمة هذه تجاوزاً للأشكال الأولية
للتجمع البشرى: الطائفة، العائلة، العشيرة... إلخ، حيث
تصبح المصلحة المشتركة هى المعيار الرئيسى الذى يحكم
حركة الجماعة، مما يدعم التكامل بين مكونات هذه الجماعة.
إن المصلحة المشتركة فى هذه الحالة تعكس تحولاً نوعياً
فى طبيعة هذه الجماعة حيث التحول من مجموعات نوعية إلى
جماعة وطنية واحدة تتكون مواطنين لا رعايا "Subject
Hood" فغيبة المجتمع السياسى لحساب المجموعات النوعية،
تعنى بقاء الأفراد فى حكم الرعايا لمن يتولون حكم هذه
المجموعات، بينما تبلور المجتمع السياسى يعنى أن الأفراد
باتوا مواطنين. إذن أصبح المواطن هو موضوع الخطاب والفعل
السياسي فى إطار القانون الذى ينظم حقوق وأفعال هذا
المواطن فى المجال السياسى الذى يضم، الدولة والمجتمع
المدنى فى إطار الوطن الواحد، وعليه فإن التراجع عن هذا
الإنجاز يعنى العودة إلى دولة ما قبل المواطنة، حيث حقوق
الطوائف والأقليات، والملل، فالمواطنة تجب ذلك، حيث
يتمتع كل المواطنين بالحقوق نفسها، وعليهم أن يفوا
بالالتزامات نفسها، ويخضعون للقوانين السائدة، دون أى
اعتبار للعنصر بمفهومه الاجتماعى، أو الجنس، أو للانتماء
لجماعة تاريخية أو عرقية، أو للدين أو لميزات اجتماعية
أو اقتصادية، فهم جميعاً يستوون كمواطنين.
وعليه فإن الحرص على المواطنة يدعم عدم الارتداد إلى
دولة ما قبل المواطنة، حيث تبرز الأشكال الأولية للتجمع
البشرى، ولا شك أن المصريين قد ناضلوا على مدى زمنى طويل
من أجل الدولة الحديثة من أجل المواطنة، نعم هناك
انقطاعات لكن مهمتنا دائماً أن نتواصل مع التراكم
التاريخى، فإذا كان فى تقديرنا أن المواطنة قد مرت
بمراحل خمسة منذ محمد على وإلى الآن، فعلينا دراسة كل
مرحلة على حدة، وندرك نقاط القوة وندعمها، ونستبعد منها
ما نعتبره معوقاً لمسيرة المواطنة، وكيف أن الابتعاد عن
العناصر الأربعة التى نحاول إبرازها هنا تعثر مسيرة
المواطنة، ومن ثم العملية الديمقراطية برمتها.
ج- وبعد، يمكن القول إن المواطنة – فى
تقريرنا – تمثل شرطاً أساسياًَ للديمقراطية ولاستكمال
مسيرة المواطنة وتجاوز الإشكاليات التى نواجهها.
وكما يقول أحد الباحثين "Keith Faulks Citizenship can
be seen as a Precondition of democracy" فالديمقراطية
بدون ممارسين – مواطنين لاتستقيم، وبالتالى لا بد من
توافرهم وإعدادهم وتشجيعهم، فالمواطنة إذن هى القاعدة
التى ينطلق منها أى تطور ديمقراطى من جهة، مواجهة تحديات
الخارج من جهة أخرى، والمواطنون هم العناصر الحية
والفعالة. |
|